http://www.malware-site.www/upswf/uploads/8adcf246c0.008
 
الرئيسيةالرئيسية  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 موضوع طويل عن الصداقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kamel
عضو مميز
عضو مميز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 58
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 15/06/2008

مُساهمةموضوع: موضوع طويل عن الصداقة   الإثنين يونيو 16, 2008 4:03 am

يعتبر عنوان الصداقة من عناوين العلاقات الإنسانية المهمة من خلال ما جاءنا من أئمة أهل البيت(ع)، الذين تعهّدونا منذ انطلقت الإمامة في حركتهم في الحياة بالتوجيه والإرشاد وتأكيد طبيعة تأسيس المجتمع الإسلامي على الأسس التي يشعر فيها كلّ فرد من أفراد المجتمع بالمسؤولية عن رعاية الفرد الآخر، سواء من خلال الأخوّة الإيمانية أو من خلال الصداقة الشخصية، أو من خلال العلاقة الإنسانية، كما جاء عن إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في عهده لـ(مالك الأشتر) عندما قال له: "فإنّ الناس صنفان، إما أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، فالإنسانية صلة بين الإنسان والإنسان الآخر، حيث يعيش أحدنا إنسانيته في إنسانية الآخر حتى يمكن أن يدخل عقله ليستقيم له عقله، أو يدخل قلبه لينفتح له قلبه، أو يتحرّك في حياته من أجل أن تنطلق حياتهما في دروب الخير معاً.
ففي الإسلام ـ أيها الأحبة ـ المبدأ هو التواصل لا التقاطع، حيث البعد بين الناس يخلق أوهاماً يحملها هذا الإنسان عن ذاك الإنسان، ممّا يعمّق الفجوة بينهما، لكن عملية التواصل يمكن لها أن تسدّ الثغرات الاجتماعية، بحيث يجعلك الحوار والتلاقي تفهم الآخر كيف يفكّر؟ وما هي مبادئه؟ وما أحلامه؟ وما هي تطلّعاته؟ كما أنّه يفهمك في المقابل في ذلك كلّه. وأن يفهم الإنسان الإنسان الآخر، فإنّ ذلك يعني سراً من أسرار التنظيم الإسلامي للمجتمع في الحياة، ولذلك فما نأخذ به في حياتنا الاجتماعية من حيث مقاطعة بعضنا بعضاً، وعدم محاورة بعضنا بعضاً، هو أمر لا ينفتح على الخطّ الإسلامي الأصيل.
في هذا الفصل من فصول الحديث عن الصداقة نلتقي بكلمة للإمام الكاظم(ع) يقول فيها: "لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك وأبق منها، فإن ذهابها ذهاب الحياء"، أي عندما تكون هناك صداقة بينك وبين إنسان آخر، فهناك أسلوبان في التعامل: الأسلوب الذي تخرق فيه الحشمة بينك وبينه، أي تخرق حجاب الحياء حتى لم يبق هناك شيء بينك وبينه يحتشمك فيه أو تحتشمه فيه.
والإمام الكاظم(ع) ينصح بإبقاء شيء من الحياء الذي يمثّل علاقتك بصديقك، لأنّ الستور إذا تمزّقت بينك وبينه فإن الصداقة قد تهتزّ من خلال ذلك، لأنّ ذلك ربما يمزّق الحجب بينك وبينه، فيذهب الاحترام من علاقتكما، فيؤدي ذلك إلى شيء من الاحتقار والإحساس بالتفاهة التي توحي بابتعاد أحدهما عن الآخر بوحي عدم احترامه له.
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق(ع): "إن أردت أن يصفو لك ودّ أخيك فلا تمازحنّه ـ والمراد هنا المزاح الثقيل ـ وتمارينّه ـ أي لا تدخل معه في جدالٍ قاسٍ يفسد الصحبة ـ ولا تباهينّه ـ بحيث تستعرض وجاهتك ومالك في حضرته كما لو كنت تباهيه بما عندك لتحط من مكانته عندك ـ ولا تشارنّه ـ أي لا تدخل معه في معاملة يمكن أن تكون شراً إذا فسّرنا ذلك بالشرّ، أو في عملية تخلق الخلاف بينك وبينه.
يقول الإمام علي الهادي(ع): "المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّل العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون فيه المغالبة"، أي أن يعمل أحدكما على مغالبة الآخر، ما يؤدّي إلى نتائج سلبية في علاقتكما من خلال ما يمكن أن تتركه المغالبة في تأثير سلبي في النفس اتجاهك، ويقول الإمام(ع): "والمغالبة أسّ أسباب القطيعة"، فهي الأساس الذي ترجع إليه أسباب القطيعة كلّها، بما تخلقه في النفس من الشعور بالسقوط أمام الغالب في نفسية المغلوب، والشعور بالاستعلاء في نظرة الغالب إلى المغلوب، فيختل التوازن في قاعدة العلاقة بينهما..
ويقول الإمام علي(ع) وهو يوجّهنا إلى أنّنا إذا كان لنا أصدقاء وجاءنا الوشاة الذين ينقلون إلينا عنهم كلاماً سيئاً، فإن علينا أن لا نطيع الواشي: "من أطاع الواشي ضيّع الصديق"، لأنّ شغل الوشاة الذين ينقلون عن صديقك كلاماً سلبياً هو أن يهدموا صداقتك، وإلا فماذا يريد الواشي من وشايته غير السوء والوقيعة..
وورد في حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في وصيته لولده محمد بن الحنفية: "إياك والعجب ـ أي أن تعجب بنفسك من خلال انتفاخ شخصيتك في نظر نفسك ـ وسوء الخلق ـ بأن تبادر الذين تعاشرهم ويعاشرونك بالخلق السيىء لتكون كلماتك قاسية، وقلبك قاسياً، ومعاملتك قاسية ـ وقلة الصبر ـ وهي أن لا تصبر على ما تواجهه من الناس الآخرين عندما يسيء إليك أحدهم، أو عندما يأتيك أذى منه من حيث يريد أو لا يريد، ويعني أيضاً أنّك لا تتحمّل الأذى والفعل الذي يسيء إليك، ولا تنتظر حتى يجلو لك الوقت طبيعة ما حدث من أخيك ـ فإنه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب ـ فإذا كنت تستعرض عضلات شخصيتك أمام صاحبك لتوحي له أنّك الأعلى وهو الأسفل أو لتكون معاشرتك به سيئة، أو لا تصبر على سلبيات الصداقة، فسوف لن يبقى على صحبته لك ـ ولا يزال لك عليها من الناس مجانب"، فسوف يجانبك الناس عندما تتمثل هذه الخصال في شخصيتك.
النهـي عـن سـوء الظـنّ
وينهانا الإمام علي(ع) عن سوء الظن عندما نواجه أصدقاءنا، فقد يبدو منهم، أو من الناس كافّة، فعل يمكن أن تحمله على الخير ويمكن أن تحمله على الشرّ، ففي هذا المجال يقول الإمام(ع): "إياك وسوء الظن"، أي إياك أن تغلّب الظنّ السيّىء على الظنّ الحسن، لأنّ ذلك يجعلك لا تثق بالآخرين، وإذا فقدت الثقة بهم، لا سيما إذا كان الآخرون من أصدقائك وأخوانك، فإنّ ذلك يؤدّي إلى تهديم العلاقة وتصدّع الصداقة وتعقيد الصلة بالناس الآخرين.
وقد ورد عن الإمام علي(ع) في الاتجاه نفسه ما يركّز المبدأ بطريقة شاملة في ما يواجه الإنسان مما يبدر من أخيه من قول أو فعل، حيث يقول(ع): "ضع أمر أخيك على أحسنه ـ فإذا انطلق أخوك في أمر من الأمور وكانت هناك عدة احتمالات ومنها الاحتمال السيّىء، ومنها الاحتمال الحسن، فغلّب الحسن على السيّىء، ومعنى ذلك أن لا تحكم عليه بالسوء، بل اعتبر أنّ من الممكن أنه قد أراد الحسن ـ ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً"، فلو ظننّا أنه كان يقصد السوء بنسبة 99% ويقصد الخير بنسبة 1%، فقل ربما أراد الواحد بالمائة، وهذه النظرة التربوية تلتقي مع خط العدالة الإسلامي، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، فقد تجد شخصاً يحمل المسدس وثمة شخص مقتول أمامه، فلا تتعجّل الحكم على صاحب المسدس، فالعدالة تقول عن هذا الشخص إنه المتهم ولا تقول إنه المجرم حتى تأتي الأدلّة التي تثبت جريمته، لأنّ من الممكن جداً أن تكون هناك ظروف خفيّة تبرّىء ساحة هذا الإنسان.
ولكن ليس معنى أن تحمل أخاك على الأحسن أن تحكم بالأحسن، بل أن تثير احتمال إرادته للأحسن فلا تحكم عليه بالأسوأ، فالملحوظ هنا هو نفي الجانب السلبي وليس تأكيد الجانب الإيجابي، لأنّه كما لا يجوز لك أن تحكم عليه بالسوء، إذا لم يثبت لك السوء بدليل قاطع، فلا يجوز لك أن تحكم عليه بالخير إذا لم يكن هناك دليل قاطع للحكم بالخير، لكن لا تحمله على السوء إذا كان ثمة احتمال للخير في هذا أو ذاك.
ولذا يقول الإمام علي(ع): "لا يغلبنّ عليك سوء الظنّ فإنه لا يدع بينك وبين صديق صفحاً"، فبعض الناس الذين يعيشون العقدة في علاقاتهم الاجتماعية، إذا صدرت منك كلمة حسنة فإنه يقلبها إلى كلمة سيئة، لأنه لا يستطيع أن يرى الشيء الحسن في الآخرين، وهذا أشبه شيء بالمتشائم الذي ينظر نظرة سوداء إلى الحياة. فيذكر مثلاً عن (ابن الرومي) الشاعر العباسي الذي كان معروفاً بتشاؤمه، أنه بعث إليه جماعة من أصحابه ليكون معهم في نزهة، فأرسلوا إليه شخصاً اسمه (حسن)، فلما بلغه سأله: ما اسمك؟ فقال له: حسن، فقلب الاسم بطريقةٍ ما فأصبح نحساً فأغلق الباب بوجهه. فأرسلوا إليه شخصاً اسمه (إقبال) فقلب اسمه، فقال: لا بقاء فأغلق الباب. فبعض الناس مثل ابن الرومي مصاب بعقدة حمل الناس على الأسوأ، لذلك فقد يتكلّم بعض الناس كلاماً يمكن أن يحمل على الخير والمعاني الصحيحة، لكنّهم يحاولون تغليب احتمال السوء على احتمال الخير، وهذا أمر نواجهه في القضايا السياسية والعقيدية والشرعية والاجتماعية، فهناك أشخاص لا همّ لهم سوى سوء الظنّ، وعندما تحدّثهم في ذلك فإنهم يقولون لك: "سوء الظن من حسن الفطن"، وهم لا يعرفون أنّ سوء الظن، خصوصاً إذا حكم الإنسان على أساسه، فهو خلاف مقتضى العدالة وخلاف حكم الشرع في ذلك.
ويتحرّك الحديث عن الإمام علي(ع) لتأكيد الصداقة حيث يقول: "من ناقش الأخوان قلّ صديقه"، فلا تحاول أن تناقش صديقك في كلّ شيء بحيث تحصي عليه أنفاسه، فما من أمر إلا وتدخل حوله في نقاش محتدم معه، وهذا ما يوجب قلّة الأصدقاء، وقد صوّره بعض الشعراء بالقول:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتباً
صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبـه
فلو بحثت في عالم الأصدقاء كلّه لما رأيت صديقاً لا يمكن معاتبته أو محاسبته، فكلّ إنسان قد تصدر عنه هفوات أو إساءات أو مفارقات بسيطة يمكن التغاضي عنها.
ما يوجب كثـرة الأصدقاء
أما ما يوجب كثرتهم، ولا بدّ لنا هنا أن نعرف أننا أمام هذه الأحاديث تلاميذ الأئمة من أهل البيت(ع) في المسألة الاجتماعية، فعن الإمام الحسن العسكري(ع): "مَن كان الورع سجيّته والكرم طبيعته، والحلم خلّته، كثر صديقه والثناء عليه ـ فهذه الخصال والصفات تفتح قلوب الناس على صاحبها، وبذلك يكثر أصدقاؤه ومحبّوه ـ وانتصر من أعدائه بحس الثناء عليه" أي استطاع أن يحصل من أعدائه على النصر بأن يجبرهم على أن يذكروه بخير.
ومن مواعظ الإمام زين العابدين(ع) للزهري وقد رآه حزيناً مما رأى من جهة الحسّاد ومن أحسن إليهم. والزهري من أصحاب الإمام الذي تكثر روايته عنه، فسأله الإمام(ع) عن سبب حزنه، فقال له إنه يحسن إلى الناس والناس يسيئون إليه، وإنه يعيش في مجتمع يكثر فيه الحسّاد الذين يحسدونه على ما أعطاه الله تعالى من فضله، ما يخلق له مشاكل نفسية واجتماعية ككل إنسان يشعر أنه محاصر من قبل مَن يحسدونه أو ممن يسيئون إليه في مقابل إحسانه إليهم.
فقال له الإمام(ع): "أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنـزلة أهل بيتك ـ أي إذا أردت الخلاص من مشكلتك فانظر إلى مجتمع المسلمين كأسرة، وانظر كيف يتعامل الإنسان مع الكبير ومع الصغير من أسرته، فتعامل مع المسلمين كذلك، وقد أراد الله لنا أن نعيش معنى العلاقة الحميمة مع المسلمين في قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10] حيث إنه جعل صلة الإيمان أقوى من صلة النسب، فاعتبر المسلمين بأجمعهم أسرة واحدة يعيشون في داخل هذه الأسرة كما يعيش الأخوة ـ فتجعل كبيرهم بمنـزلة والدك ـ فتحترمه وتوقّره كما تحترم والدك وتوقّره ـ وتجعل صغيرهم بمنـزلة ولدك ـ فتحنو عليه كما تحنو وتعطف على أولادك ـ وتجعل تربك ـ أي الذي هو في سنّك ـ بمنـزلة أخيك، فأي هؤلاء تحبّ أن تظلم؟! ـ فهل يحب الإنسان إذا كان سوياً عاقلاً ظلم أبيه أو ولده أو أخيه، فإذا اعتبرت المسلمين بهذه المنـزلة من إحساسك وشعورك، فإن معنى ذلك أنّك سوف تتعامل معهم بروح لا ظلم فيها، لأن الإنسان لا يحب أن يظلم أيّاً من ذويه أو ذوي رحمه ـ وإن عرض لك إبليس(لعنه الله) أنّ لك فضلاً على أحد من أهل القبلة ـ فقد يأتيك الشيطان ليوسوس لك أنك صاحب الفضل على الناس، وأنك ـ وحدك ـ الذي تحسن وتخدم وتسعى في إصلاح المجتمع، وعلى الناس كلهم أن يطيعوك ويخضعوا لك.
وهذا هو حال بعض الناس، فما إن تنتفخ شخصيته حتى يتصوّر أن له حقاً على الناس وليس للناس حق عليه، فهو يحب أن يُخدم ولا يخدم، يحب أن يُحسن إليه ولا يحسن إلى أحد ـ فإن كان أكبر منك ـ أي حاول أن تدخل في حوار بينك وبين نفسك في مواجهة إغواء إبليس لك، وذلك بأن تدرس هذا الشخص الذي يقول لك إبليس بأنك أفضل منه ـ فإن كان أكبر منك فقل قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح ـ فقد تكون لديّ صفات أحسن منه، لكنّه عندما جاء إلى الحياة قبلي وكان مؤمناً ولم أكن موجوداً فقد سبقني إلى ممارسة الإيمان والعمل الصالح ـ فهو خير مني.
وإن كان أصغر منك فقل قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني ـ فأنا لست معصوماً، فقد بلغت قبله وعصيت الله قبله، فهو أفضل منّي لأنّ معاصيّ أكثر من معاصيه.
وإن كان تربك ـ أي هو في مثل سنّك ـ فقل أنا على يقين من ذنبي وفي شك من أمره، فما أدع يقيني لشكّي ـ فأنا أعرف بذنوبي ولا أعرف بذنوبه، أي أنني على يقين مما اجترحته من المعاصي والذنوب وفي شكّ من معرفتي بذنوبه، فلست مستعداً لترك يقيني لشكّي، فقد يكون أفضل مني.
وإن رأيت المسلمين يعظّمونك ويوقّرونك ويحبّونك، فقل: هذا من فضل أخذوا به ـ فبعض الناس ينتفخ عندما يرى النعال تخفق خلفه والناس يعظمونه ويهتفون باسمه، في حين أنّ لهؤلاء الفضل عليه في تقديرهم ورعايتهم له مما قد لا يجب عليهم القيام به تجاهه، وقد لا يستحق ذلك، وهذا مما علّمنا إياه أمير المؤمنين(ع)، وهو الذي بلغ من العصمة ما يمكن أن يكون فوق العصمة إذا كان هناك شيء فوقها، لكنّه كان يتواضع لله تعالى، وكان يتواضع للناس، فكان إذا مدحه أحد خشع لله، وقال: "اللهم اجعلني خيراً مما يظنّون واغفر لي ما لا يعلمون".
وقد علّمنا الإمام زين العابدين(ع) في دعاء مكارم الأخلاق، وأنا أنصح بقراءته يومياً لأنه يمثل المنهج الأخلاقي التربوي الذي لم يترك أيّ مفردة من مفردات الأخلاق إلا وذكرها، ولكنّ مشكلتنا أننا لا نعرف علي بن الحسين(ع) وأننا حوّلنا أئمتنا(ع) إلى مناسبة للبكاء ولم نحوّلهم إلى مدرسة للعلم والوعي والتوجيه والعطاء.
يقول(ع): "اللهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلّة باطنة عند نفسي بقدرها".
ثم نمضي مع علي بن الحسين في مواعظه للزهري عن الصداقة ـ وإن رأيت منهم جفاءً أو انقباضاً عنك فقل هذا الذنب أحدثته ـ فإذا رأيت الناس لا يعظّمونك ولا يوقّرونك ولا يقبلون عليك، فانسب التقصير لنفسك، أي لا تتهم الناس بأنهم غير طيبين، وإنما اتهم نفسك بأنها ارتكبت ذنوباً فهجرك الناس جرّاء الذنوب التي تركت تأثيرها السلبي في الحياة، أو أنك أسأت إليهم بذنبك الذي أحدثته ضدهم فهجروك ـ فإنك إن فعلت ذلك ـ أي إذا عشت هذه الذهنية والروحية ـ سهّل الله عليك عيشك وكثر أصدقاؤك وقلّ أعداؤك" وهذا هو توجيه الأئمة(ع) في التعامل مع شرائح الناس كل من موقعه.
حـدود الصـداقــة
وننتقل إلى حدود الصداقة، فنلتقي بكلمة للإمام جعفر الصادق(ع): "لا تكون الصداقة إلا بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منه، وإلا فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة ـ فمن كانت فيه هذه الحدود أو المواصفات أو الشروط أو شيء منها فهو الصديق وإلا فدعه ـ فأولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة ـ أي لا يتلقاك في العلانية بالأحضان وفي السرّ يطعنك بالظهر، بل يستوي سرّه وعلانيته في موقفه الحميم والمخلص منك.
الثانية: أن يرى زينك زينه وشينك شينه ـ أي يعتبر فضائلك وصفاتك الجيدة كأنها فضائله هو، وإذا رأى أشياء سيئة فإنه يشعر كأنّك هو وكأنه أنت، أي إذا رأى فيك زيناً شعر أنه اتصف به، وإذا رأى شيناً وعيباً شعر أنه أخذ به.
والثالثة: أن لا تغيّره عليك ولاية ولا مال ـ أي يظلّ صديقاً لك مهما تغيّرت أحواله وتطوّرت إلى الأحسن، فلو كان إنساناً بسيطاً لا وجاهة له ولا مال وكان يصادقك لأنه لا يشعر بتميّزه عليك، ثم شغل منصباً أو أصبح وجيهاً أو فاز بمال كثير وأبقى على هذه الصداقة وكأن شيئاً لم يتغير في واقعه، فهذا هو الصديق، فاحفظ صحبته واحرص عليها، وإلا فلا.
والرابعة: لا يمنعك شيئاً تناله مقدرته ـ فإذا كانت لديك حاجة وكان قادراً على أن يعطيك إياها فلا يمنعك منها.
والخامسة: وهي التي تجمع هذه الخصال: أن لا يسلمك عند النكبات" فعندما تنكب ويجور الدهر عليك، فلا يتنكّر لك، وإنما يحاول أن يحتضن ظرفك العصيب ليدعمك ويقويك ويساندك في موقفك لتخرج سالماً من أزمتك، فأين صديق كهذا في أيامنا هذه؟
وورد في حديث الإمام علي(ع): "لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته وغيبته ووفاته"، يحفظه في نكبته بأن يساعده على تجاوزها، ويحفظه في غيبته فيرد غيبته لمن اغتابه، ويعمل على أن لا يذكره إلا بخير، ويحفظه في موته ليحفظ أهله وعياله.
وعنه(ع): "الصديق الصدوق من نصحك في عيبك ـ فإذا رأى فيك عيباً فإنه يحاول أن ينصحك، لأنه يريدك سالماً من العيوب، وقد ورد في الحديث المأثور: "المؤمن مرآة أخيه" بحيث ترى نفسك في أخيك باعتبار أنه قد يطّلع عليك بما لا تطّلع عليه من نفسك، تماماً كما هي المرآة التي تكشف لك من ملامح وجهك ما لا تستطيع أن تكتشفه بنفسك ـ وحفظك في غيبك، وآثرك على نفسه" فإذا كانت له حاجة في شيء وكانت حاجة في شيء آثرك في ذلك.
وله(ع) أيضاً: "الصديق من كان ناهياً عن الظلم والعدوان" فإذا رآك ظالماً في بيتك أو في حياة الناس فإنّه لا يساعدك على ظلمك، بل ينهاك عنه. وقد ورد أنّ شخصاً سأل رسول الله(ص) عن الكلمة المأثورة عند العرب: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فقال: قد عرفنا نصرته مظلوماً فما معنى نصرته ظالماً، فقال بأن تمنعه من الظلم، بأن تعينه على نفسه الأمّارة بالسوء لتحول دون ظلمها الآخرين.
وقال(ع): "الصديق من كان ناهياً عن الظلم والعدوان، معيناً على البرّ والإحسان". وعليّ(ع) هو العظيم في دراسته لدقائق الحياة الاجتماعية، وهذا هو سبب دعوتنا المستمرة إلى أن لا نفهم علياً(ع)، لا في كيفية جندلته أبطال الشرك كمرحب وعمر بن عبد ودّ، بل كيف يضرب الظلمات والجهل والتخلّف ليكتشف الحقيقة التي ترتفع بمستوى الناس.
ولست أدري ماذا سيكون موقفنا لو كان علي(ع) معنا، فلقد قال عمر بن الخطّاب: "لو وليها عليّ لحملهم على المحجة البيضاء"، فمن يقبل هذه المحجّة وهو القائل: "ما ترك لي الحق من صديق"؟
يقول(ع): "إنّما سمي الصديق صديقاً لأنه يصدقك في نفسك ومعايبك، فمن فعل ذلك ـ أي كان صادقاً معك ينبّهك على نقاط الضعف في نفسك، ويرشدك في اكتشاف عيوبك ـ فاستنم إليه فإنه الصديق"، أي حاول أن تطمئن إليه لأنّه الصديق المخلص. وعنه(ع) أيضاً: "صديقك من نهاك عن ارتكاب المآثم والذنوب، وعدوّك من أغراك" بعيوبك وذنوبك، وفي المثل الشعبي (من أبكاك بكى عليك ومن أضحكك ضحك عليك). لكن بعض الناس يحبون من يضحكون عليهم ولا يحبّون الذين يبكون علي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://issam2009.yoo7.com
 
موضوع طويل عن الصداقة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات عصام القرارم قوقة :: 
المنتديات الإسلامية
 :: مواضيع دينية
-
انتقل الى: